الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
226
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وننقل كيفية بيعته من كتاب ( صفين نصر ) ( 1 ) بمعناه ، وقد نقله ابن أبي الحديد ( 2 ) بلفظه ، ففيه : لما كتب معاوية إلى عمرو يستدعيه إلى نصرته - وقد كان اعتزل أيّام عثمان في فلسطين - شاور ابنيه عبد اللّه ومحمدا ، فقال له ابنه عبد اللّه : قر في بيتك ، فلست مجعولا خليفة ، ولا ترد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة ، أوشك أن تهلك فتشقى فيها . وقال له ابنه محمد : أرى أنّك شيخ قريش ، وصاحب أمرها وإن تصرّم هذا الأمر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك ، فالحق بجماعة أهل الشام . ودعا غلامه وردان أيضا - وكان راهبا ماردا - فقال له : أرحل أحط فقال : إن شئت أنبأتك بما في نفسك . قال : هات ، قال : اعترك الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت علي معه الآخرة في غير دنيا ، وفي الآخرة عوض الدنيا ، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة ، وليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت واقف بينهما . قال : واللّه ما أخطأت ، فما ترى يا وردان قال أرى أن تقيم في بيتك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لن يستغنوا عنك . قال : الآن لمّا شهدت العرب مسيري إلى معاوية فارتحل وهو يقول : يا قاتل اللّه وردانا وقرحته * أبدى لعمرك ما في النفس وردان لما تعرضت الدنيا عرضت لها * بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان نفس تعف وأخرى الحرص يقلبها * والمرء يأكل تبنا وهو غرثان أمّا عليّ فدين ليس يشركه * دنيا وذاك له دنيا وسلطان فاخترت من طمعي دنيا على بصر * وما معي بالذي أختار برهان فسار إلى معاوية ، فقال له معاوية : أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربهّ ، وقتل الخليفة ، وأظهر الفتنة ، وفرّق الجماعة . قال عمرو : إلى جهاد
--> ( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 34 ، 36 - 39 . ( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 61 - 62 .